أبو حامد الغزالي

22

محك النظر

الرشاد . لأنّ برهان العقل هو الذي يعرف به صدق الشارع ، والذي يقتصر على محض العقل ولا يستضيء بنور الشرع ولا يهتدي إلى الصوات ، ومثل العقل البصر السليم عن الآفات والإذاء . فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن كالمعترض لنور الشمس مغمضا الأجفان » « 1 » ، وعلى الرغم من هذه الوساطيّة ، فإنّ الغزالي تأثّر بجملة التناقضات السياسيّة والفكريّة وخاض غمارها ، قناعات ومعاناة في أثناء رحلته العلميّة . ولعب هذا التعدّد والتمزّق دورا مؤزّما في نفسيّته ، إذ تواجهت الآراء السنيّة الملتزمة بالآراء الباطنيّة الرافضة والمعارضة . وتواجه الفقه المرتبط في النصوص بالمنهج العقليّ المجرّد وبالآراء الفلسفيّة العقليّة ، كما تقابلت الجبريّة بالحريّة المختارة اختيارا تاما ، والزهد المرتبط في الدين بالتصوّف المرتبط في التجربة الذوقيّة والمكاشفة الإلهيّة . وقد ترك الغزالي كتبا في شتّى هذه العلوم ، وحلّ الكثير من معضلات المواجهة بالموقف الوساطيّ الذي تحدّثنا عنه . والذي يعنينا هنا مؤلّفاته المنطقيّة ، وهي بحسب تسلسل تأليفها التاريخيّ ما يلي : أوّلا - مقاصد الفلاسفة : تناول فيه آراء الفلاسفة في المنطق والطبيعة والميتافيزيقا . ويعتبره بعضهم مقدّمة لكتاب تهافت الفلاسفة الذي ردّ فيه الإمام على دعاوى الفلاسفة من دون التعرّض لمسائلهم المنطقيّة . ثانيا - معيار العلم : عرضت فيه آراء منطقيّة مختلفة ، خالطها ميل إلى إيراد بعض المصطلحات والأمثلة الإسلاميّة . ثالثا - محكّ النظر : برزت فيه الآراء المنطقيّة أيضا ، لكنّ الغزالي طواها على آراء إسلاميّة ، قالبا المصطلحات والأمثلة إلى مصطلحات وأمثلة أصوليّة تماما .

--> ( 1 ) الغزالي ، الاقتصاد في الاعتقاد ، القاهرة ، المكتبة التجاريّة الكبرى ، 1936 ، ص 2 .